الشيخ محمد رشيد رضا

370

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ومن العجائب أن أقسى أهل هذه الحرب وأشدهم تخريبا وتدميرا هم الذين يزعمون أنهم يحاربون للّه وأن اللّه معهم على أعدائهم . وانما الحرب الدينية الصحيحة حرب الأنبياء والخلفاء الراشدين ، ومن على مقربة من سيرتهم من الملوك الصالحين ، ولم يكن يستحلّ في شيء منها ما يستحل الآن من القسوة والتخريب . وقد فصلنا في المنار القول في المقابلة بين هذه الحرب المدنية ، وحروب المسلمين الدينية ، التي كانت دفاعا عن النفس ، وتقريرا للحق والعدل ، والمساواة في الحقوق بين أصناف الخلق ، يسيرون فيها على القواعد الشرعية العادلة في الضرورات ككونها تبيح ما ضرره دون ضررها ، وكونها تقدر بقدرها ، وتراعى فيها الرحمة ، لا العدل وحده ، وقد شهد بذلك لسلفنا ، أعلم حكاء الإفرنج بتاريخنا [ غوستاف لوبون ] فقال كلمة حق حقيقة بأن تكتب بماء الذهب ، وهي : « ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب » وجملة القول إن شبهات المفتونين بالمدنية المادية قد دحضت بهذه الحرب الساحقة الماحقة وقويت بها حجة أهل الدين عليهم ، بل تنبه بها الشعور الديني في الجم الغفير من الاوربيين حتى الفرنسيس منهم ، بعد ان كانوا قد نبذوه وراء ظهورهم ، وآثروا عليه الشهوات البدنية الحقيرة ، حتى ضاقت بهم المعابد التي كانت مهجورة ، قلما تفتح أبوابها وقلما يلم بها أحدا ان فتحت . وذلك شأن المسرفين في أمرهم من الناس ، لا يتوجهون إلى خالقهم الا عند الشدة والباس ، ( 10 : 12 وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ . كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * * * ( 33 ) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ، فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 34 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ، وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 35 ) وَإِنْ